الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
339
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ الفتح : 1 ] . و مَنْ أَنْفَقَ عامّ يشمل كلّ من أنفق . وقيل : أريد به أبو بكر الصديق فإنه أنفق ماله كله من أول ظهور الإسلام . ونفي التسوية مراد به نفيها في الفضيلة والثواب فإن نفي التسوية في وصف يقتضي ثبوت أصل ذلك الوصف لجميع من نفيت عنهم التسوية ، فنفي التسوية كناية عن تفضيل أحد جانبين وتنقيص الجانب الآخر نقصا متفاوتا . ويعرف الجانب الفاضل والجانب المفضول بالقرينة أو التصريح في الكلام ، وليس تقديم أحد الجانبين في الذكر بعد نفي التسوية بمقتض أنه هو المفضل فقد قال اللّه تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [ النساء : 95 ] وقدم هذه الآية الجانب المفضّل ، وكذا الذي في قول السموأل : فليس سواء عالم وجهول وقد أكد هذا الاقتضاء بقوله : أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا ، أي أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا من بعد الفتح ، فإن اسم التفضيل يدل على المشاركة فيما اشتق منه اسم التفضيل وزيادة من أخبر عنه باسم التفضيل في الوصف المشتق منه ، أي فكلا الفريقين له درجة عظيمة . وحذف قسم من أنفق من قبل الفتح إيجازا لدلالة فعل التسوية عليه لا محالة . والتقدير : لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق بعده . والدرجة : مستعارة للفضل لأن الدرجة تستلزم الارتقاء ، فوصف الارتقاء ملاحظ فيها ، ثم يشبّه الفضل والشرف بالارتقاء فعبر عنه بالدرجة ، فالدرجة من أسماء الأجناس التي لوحظت فيها صفات أوصاف مثل اسم الأسد بصفة الشجاعة في قول الخارجي : أسد علي وفي الحروب نعامة وقوله : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى احتراس من أن يتوهم متوهم أن اسم التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة مثل ما في قول : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ يوسف : 33 ] ، أي حبيب إليّ دون ما يدعونني إليه من المعصية . وعبر ب الْحُسْنى لبيان أن الدرجة هي درجة الحسنى ليكون للاحتراس معنى زائد